الشيخ محمد رشيد رضا

266

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

حتم لا مفر منه ولا مهرب فهو لا بد أن يدرككم في أي مكان كنتم ولو تحصنتم منه في البروج المشيدة ، وهي القصور العالية التي يسكنها الملوك والامراء فيعز الارتقاء إليها بدون إذنهم ، أو الحصون المنيعة التي تعتصم فيها حامية الجند . شيد البناء يشيده علاه وأحكم بناءه ، وأصله ان يبنيه بالشيد وهو بالكسر كل ما يطلى به الحائط كالجص والبلاط ، يقال شاد البناء إذا جصصه ، قال في اللسان : وكل ما أحكم من البناء فقد شيد وتشييد البناء إحكامه ورفعه . أي لان في التفعيل معنى من المبالغة والكثرة في الشيء ، وأجاز الراغب ان يكون المراد بالبروج بروج النجم ويكون استعمال لفظ المشيدة فيها على سبيل الاستعارة وتكون الإشارة بالمعنى إلى نحو ما قال زهير ومن هاب أسباب المنايا ينلنه * ولو نال أسباب السماء بسلم وإذا كان الموت لا مفر منه ولا عاصم ، وكان المرء يخوض معا مع القتال فيصاب ولا يموت ، ويخاطر بنفسه فيها أحيانا فلا يصاب بجرح ولا يقتل ، وقد يموت المعتصم في البروج والحصون اغتضارا « 1 » ، وإذا كان الاقدام على القتال هو أقوى أسباب النجاة من القتل لان الجبناء يغرون أعداءهم بأنفسهم لعدم دفاعهم عنها ، وإذا كان الاستعداد للقتال والاقدام فيه لأجل الدفاع عن الحق وحماية الحقيقة ومنع الباطل أن يسود والشر أن يفشو موجبا لمرضاة اللّه ولسعادة الآخرة ، فما هو عذركم أيها القاعدون المبطئون ؟ وطعم الموت في امر حقير * كطعم الموت في أمر عظيم فلما ذا تختارون لأنفسكم الحقير على العظيم ، وهذا ليس من شأن العقلاء والمؤمنين ؟ كان من مرض قلوب هؤلاء ان كرهوا القتال وجبنوا عنه وخافوا الناس وتمنوا بذلك طول البقاء ، فكان هذا صدعا في دينهم وعقولهم قامت به عليهم الحجة . ثم ذكر شأنا آخر من شؤونهم يشبهه في الدلالة على مرض القلب والعقل فقال وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الحسنة ما يحسن عند صاحبه

--> ( 1 ) اغتضر ( بالبناء للمجهول ) اغتضارا مات شابا في غضارة العيش ونعيمه